بدأ زين الدين زيدان مهمته رسميًا مدربًا للمنتخب الفرنسي برسائل متعددة حملت مزيجًا من التأثر والطموح والوفاء للماضي، بعدما تولى قيادة «الديوك» خلفًا لديدييه ديشان، ليحقق بذلك حلمًا قال إنه انتظره لسنوات طويلة ورفض من أجله عددًا من العروض التدريبية التي تلقاها خلال فترة ابتعاده عن العمل منذ مغادرته ريال مدريد.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، الثلاثاء، تحدث زيدان للمرة الأولى بصفته المدير الفني الجديد للمنتخب، في ظهور حظي باهتمام واسع داخل فرنسا وخارجها، نظرًا إلى المكانة التاريخية التي يحتلها المدرب الجديد في كرة القدم الفرنسية، سواء كلاعب قاد المنتخب إلى التتويج بكأس العالم 1998، أو مدرب صنع تاريخًا استثنائيًا مع ريال مدريد.
وقال زيدان في بداية حديثه إنه يرغب أولًا في توجيه رسالة دعم إلى رجال الإطفاء والعائلات التي تمر بظروف صعبة، قبل أن يعبر عن امتنانه للاتحاد الفرنسي لكرة القدم وللجنة التنفيذية وجميع العاملين داخل المؤسسة، مؤكدًا تقديره للثقة التي حصل عليها من أجل قيادة المنتخب في المرحلة الجديدة.
زيدان: اليوم تحقق الحلم الذي انتظرته سنوات
لم يخف زيدان حجم مشاعره بعد توليه المنصب، مؤكدًا أن وصوله إلى تدريب المنتخب الفرنسي يمثل تحقيقًا لحلم قديم رافقه منذ طفولته، وأن هذه المهمة ليست مجرد محطة جديدة في مسيرته التدريبية، بل امتداد طبيعي لعلاقته الطويلة بالمنتخب.
وقال المدرب الفرنسي إنه تلقى خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية عروضًا لتدريب أندية مختلفة، لكنه اختار رفضها لأنه كان ينتظر الفرصة التي طالما أرادها، وهي تولي مسؤولية المنتخب الوطني.
وأوضح زيدان أن علاقته بالمنتخب بدأت منذ المراحل السنية الأولى، إذ مر بمختلف الفئات العمرية قبل الوصول إلى المنتخب الأول لاعبًا، ولذلك يرى أن تولي مسؤولية «الديوك» مدربًا يمثل استكمالًا لمسيرة بدأت منذ وقت مبكر للغاية.
وأضاف أن الدافع الأساسي بالنسبة إليه هو الحفاظ على قدرة المنتخب على تحقيق الانتصارات، مشددًا على أنه سيبذل كل ما لديه من أجل مواصلة المسار الناجح للكرة الفرنسية.
وقال زيدان إن المشاعر التي يعيشها في هذه اللحظة كبيرة للغاية، مؤكدًا أنه لا يجد الكلمات الكافية لوصف سعادته، وأنه يشعر بتأثر عاطفي عميق رغم أنه قد لا يظهر ذلك بوضوح أمام وسائل الإعلام.
إشادة بديشان ورسالة واضحة: الهدف سيظل الفوز
وحرص زيدان على توجيه رسالة تقدير إلى سلفه ديدييه ديشان، الذي أنهى فترة طويلة على رأس المنتخب الفرنسي، مؤكدًا أن المرحلة السابقة تستحق الإشادة، وأن ما قدمه المدرب السابق للكرة الفرنسية لا يمكن تجاهله مع بداية عهد جديد.
وقال زيدان إن هناك شيئًا جديدًا سيبدأ الآن، لكن الهدف سيظل ثابتًا، وهو تحقيق الانتصارات والمنافسة على الألقاب.
ويضع هذا التصريح زيدان أمام مسؤولية كبيرة، خصوصًا أن المنتخب الفرنسي يدخل مرحلة ما بعد ديشان بعد سنوات من الاستقرار والنجاحات، وهو ما يعني أن المدرب الجديد لن يبدأ من نقطة الصفر، بل سيتولى قيادة فريق يملك قاعدة قوية من اللاعبين وخبرة كبيرة في المنافسات الدولية.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن مهمة زيدان لن تكون إعادة بناء المنتخب بالكامل، وإنما الحفاظ على العناصر القوية الموجودة حاليًا، مع إدخال أفكاره الخاصة تدريجيًا، وإيجاد التوازن بين إرث المرحلة السابقة والهوية الجديدة التي يريد فرضها.
أسلوب زيدان سيظهر في سبتمبر
ورفض المدرب الفرنسي الكشف عن تفاصيل كاملة بشأن أسلوبه التكتيكي خلال مؤتمره الأول، موضحًا أن الجماهير ستتعرف على أفكاره بشكل أكبر في الفترة المقبلة، على أن يكون شهر سبتمبر موعدًا مهمًا لتقديم صورة أوضح عن شكل المنتخب تحت قيادته.
وأكد زيدان أن شغفه باللعبة يرتبط بطبيعته كلاعب هجومي وصانع ألعاب، مشيرًا إلى أن تسجيل الأهداف وتحقيق الانتصارات كان دائمًا من أكثر الأمور التي تحفزه.
كما تحدث عن السنوات الطويلة التي عاشها في إسبانيا، والتي امتدت لنحو 25 عامًا، وعن تجربته قائدًا داخل الملعب، موضحًا أن دوره القيادي الآن سيأخذ شكلًا مختلفًا بحكم الخبرة التي اكتسبها خلال مسيرته لاعبًا ومدربًا.
واعتبر زيدان أن أعظم لحظة في مسيرته كانت التتويج بكأس العالم 1998 مع المنتخب الفرنسي، وهي البطولة التي صنعت جزءًا كبيرًا من مكانته التاريخية في بلاده.
زيدان: انتظرت هذه اللحظة منذ مغادرتي ريال مدريد
كشف زيدان أن الفترة التي قضاها بعيدًا عن التدريب بعد رحيله عن ريال مدريد لم تكن انتظارًا عشوائيًا، بل كانت مرتبطة برغبته في الوصول إلى المنتخب الفرنسي.
وقال إنه لم يشعر بأنه أهدر وقته خلال فترة ابتعاده عن العمل، بل استغل السنوات الماضية في متابعة عدد كبير من المباريات، وربما أكثر مما كان يشاهده عندما كان مدربًا لريال مدريد، مشيرًا إلى أنه تابع مباريات كثيرة للمنتخب الفرنسي وراقب العديد من التفاصيل المتعلقة باللاعبين والمنتخبات.
وأوضح أن قرار توليه تدريب فرنسا اتخذ منذ يناير 2025، بعد اجتماعه مع رئيس الاتحاد الفرنسي، حيث تم التوصل إلى اتفاق بشأن توليه قيادة المنتخب في المرحلة المقبلة.
وبذلك، فإن وصول زيدان إلى المنصب لم يكن قرارًا مفاجئًا أو وليد الأيام الأخيرة، بل جاء نتيجة ترتيبات امتدت لفترة طويلة، وهو ما يفسر اختياره الابتعاد عن تدريب الأندية طوال السنوات الماضية، انتظارًا للفرصة التي اعتبرها هدفه الأساسي.
زيدان يطمئن على مبابي ويؤجل الحديث عن القيادة
وفيما يتعلق بكيليان مبابي، أحد أبرز نجوم المنتخب الفرنسي والمرشح الطبيعي للاضطلاع بدور قيادي أكبر داخل المجموعة، أوضح زيدان أنه لم يتحدث مع اللاعب حتى الآن، مؤكدًا أن الأولوية بالنسبة إلى مبابي في الوقت الحالي هي الحصول على الراحة.
وأشار إلى أن الفرصة ستكون متاحة خلال سبتمبر للحديث مع مبابي وبقية اللاعبين، والتعرف بشكل أكبر على المجموعة ومناقشة التفاصيل المتعلقة بالمرحلة الجديدة.
وتحمل هذه التصريحات دلالة على أن زيدان لا يريد التسرع في فرض أفكاره قبل أن يتعرف عن قرب على اللاعبين، إذ يفضل استغلال الفترة المقبلة لبناء علاقة مباشرة مع عناصر المنتخب، قبل تحديد أدوارهم ومسؤولياتهم داخل المجموعة.
منتخب فرنسا جاهز ويحتاج إلى بعض الوقت
ويرى زيدان أن المنتخب الفرنسي الحالي يملك قاعدة قوية بالفعل، ولذلك لا يحتاج إلى عملية إعادة بناء شاملة، وإنما إلى بعض الوقت من أجل التعرف على اللاعبين وشرح أفكاره وخطة العمل التي يريد تنفيذها.
وقال إن لديه فريقًا استثنائيًا جاهزًا بالفعل، لكنه يحتاج إلى فترة للتأقلم مع المجموعة، والتعرف إلى اللاعبين بصورة أفضل، ثم توضيح ما يريد القيام به معهم.
كما شدد على أهمية الحفاظ على حالة الفوز داخل المنتخب، في إشارة إلى أن هدفه لن يكون تغيير كل شيء لمجرد بداية حقبة جديدة، بل المحافظة على العقلية التنافسية التي جعلت فرنسا واحدة من أقوى المنتخبات في العالم.
زيدان لا يخشى الاختلاف بين تدريب الأندية والمنتخبات
واعترف المدرب الفرنسي بأن تدريب المنتخب يختلف بشكل واضح عن قيادة الأندية، لكنه أكد أن هذا الاختلاف لا يمثل مصدر قلق بالنسبة إليه، لأنه اختار هذه المهمة تحديدًا وكان يرغب فيها منذ سنوات.
وأشار إلى أنه سيعمل على تحقيق التوازن بين حياته الشخصية ومسؤولياته مع المنتخب، معتبرًا أن طبيعة العمل مع المنتخبات تتناسب مع المرحلة الحالية من حياته ومسيرته المهنية.
وتعكس هذه النقطة أحد أسباب تفضيل زيدان للمنتخب على الأندية خلال السنوات الماضية، إذ يبدو أنه كان يبحث عن مشروع يمنحه مساحة زمنية أكبر بين فترات التجمعات الدولية، بدلًا من الالتزام اليومي المستمر الذي تفرضه إدارة الأندية.
أديداس لن تتدخل في شؤون المنتخب
وتطرق زيدان إلى علاقته بشركة أديداس، الراعي الذي يرتبط به منذ سنوات طويلة، نافيًا وجود أي اتفاق استثنائي أو «عقد مدى الحياة» مع العلامة الرياضية.
وأوضح أن لديه عقدًا مع الشركة، لكن ذلك لا يعني بأي شكل من الأشكال أن لها دورًا في إدارة المنتخب أو التدخل في قراراته الفنية.
وأكد في الوقت نفسه أنه لن يتخلى عن شراكته مع أديداس، والتي تمتد لنحو 30 عامًا، مشددًا على أن هذه العلاقة التجارية منفصلة تمامًا عن عمله مدربًا للمنتخب الفرنسي.
مواجهة إسبانيا ليست الأولوية في الوقت الحالي
وعندما سُئل عن المنافسة مع منتخب إسبانيا، أكد زيدان أن تركيزه لا ينصب على فريق واحد، رغم اعترافه بقوة المنتخب الإسباني.
وأوضح أن الأولوية بالنسبة إليه هي المباراة الأولى التي سيخوضها مع فرنسا أمام تركيا، مشيرًا إلى أن الفريق سيخوض أربع مباريات خلال شهر سبتمبر، وهي فترة يعتبرها مثالية للتحضير والتعرف إلى اللاعبين.
وقال زيدان إن قضاء نحو ثلاثة أسابيع مع اللاعبين سيكون أمرًا مهمًا بالنسبة إليه، لأنه سيمنحه فرصة للعمل بشكل مباشر مع المجموعة، وتجربة أفكاره وتوضيح الأدوار المطلوبة من كل لاعب.
هزيمة إسبانيا في كأس العالم لا تغير خطته
وحول خسارة فرنسا أمام إسبانيا في كأس العالم، اعترف زيدان بأن المباراة كانت معقدة وصعبة، لكنه شدد على أن كرة القدم قد تتغير تفاصيلها بالكامل من مباراة إلى أخرى.
وأكد أن ما يخطط لوضعه مع المنتخب لن يتغير بسبب نتيجة مباراة واحدة، مشيرًا إلى أن تركيزه الحالي ينصب على مواجهة تركيا، التي ستكون أول اختبار له على رأس «الديوك».
ويبدو أن زيدان يريد من خلال هذا الموقف وضع حد لأي محاولة لربط مشروعه الجديد بنتائج الماضي، إذ يفضل التعامل مع كل مباراة باعتبارها بداية مستقلة، بدلًا من بناء خطته على الرغبة في الانتقام من خسارة سابقة.
طاقم زيدان سيواصل العمل معه
وكشف المدرب الجديد أن الطاقم الفني المقرب منه أصبح موجودًا بالفعل، وأنه سيواصل العمل مع المجموعة التي رافقته خلال سنواته مع ريال مدريد، مع إضافة عضوين أو ثلاثة إلى الجهاز.
ويعكس هذا القرار رغبة زيدان في الحفاظ على العناصر التي يثق بها ويعرف طريقة عملها، خاصة أن تجربته مع ريال مدريد شهدت نجاحًا كبيرًا، وتوج خلالها بثلاثة ألقاب متتالية في دوري أبطال أوروبا.
ومن المنتظر أن يعمل الجهاز الجديد على مساعدة زيدان في الانتقال من أجواء الأندية إلى المنتخب، والتعامل مع طبيعة مختلفة من العمل تعتمد على فترات تجمع قصيرة، وتحتاج إلى سرعة في نقل الأفكار وبناء الانسجام بين اللاعبين.
زيدان يعلن موقفه من العنصرية
وفي ختام حديثه، تطرق زيدان إلى قضية العنصرية التي تواجه المجتمع والمنتخب الفرنسي، مؤكدًا ضرورة التصدي لها.
وقال إن فرنسا بلد رائع يتميز بالتنوع، مشيرًا إلى أنه نشأ في حي كان مفتوحًا للجميع، ومؤكدًا أن مكافحة العنصرية مسؤولية يجب أن يتحملها الجميع.
وتأتي هذه الرسالة في نهاية مؤتمر حمل كثيرًا من المعاني المرتبطة ببداية مرحلة جديدة، إذ لم يكتف زيدان بالحديث عن كرة القدم والنتائج، بل أكد أيضًا رؤيته للمجتمع الذي يمثله المنتخب، في وقت يستعد فيه لقيادة مجموعة تعكس بدورها التنوع الكبير الذي تتميز به فرنسا.
وبعد سنوات من الانتظار، أصبح زين الدين زيدان أخيرًا على رأس المنتخب الذي ارتبط به منذ طفولته لاعبًا وقائدًا وبطلًا للعالم، قبل أن يعود إليه الآن مدربًا.
وبين إرث ديشان الثقيل وطموح المدرب الجديد، تبدأ فرنسا مرحلة مختلفة، سيكون عنوانها الأول الحفاظ على قوة المنتخب، وفي الوقت نفسه منحه هوية جديدة تحمل بصمة زيدان، الذي يدخل المهمة مدركًا لحجم التحدي، لكنه يصل إليها وهو يعرف جيدًا أنها الوظيفة التي انتظرها طوال السنوات الماضية.